عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

80

اللباب في علوم الكتاب

عرضت على آدم وأعلمت من يؤمن ومن يكفر » فبلغ ذلك المنافقين ، فقالوا - استهزاء - : زعم محمد أنه يعلم من يؤمن به ، ومن يكفر ، ممن لم يخلق بعد ، ونحن معه ، وما يعرفنا ، فبلغ ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقام على المنبر فحمد اللّه ، وأثنى عليه ، ثم قال : « ما بال أقوام طعنوا في علمي ، لا تسألوني عن شيء - فيما بينكم وبين السّاعة - إلّا نبّأتكم به » فقام عبد اللّه بن حذافة السهميّ ، وقال : من أبي ، يا رسول اللّه ؟ فقال : « حذافة » فقام عمر ، فقال : يا رسول اللّه ، رضينا باللّه ربّا ، وبالإسلام دينا ، وبالقرآن إماما ، وبك نبيّا ، فاعف عنا ، عفا اللّه عنك . فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ » - مرتين - ثم نزل عن المنبر ، فأنزل اللّه هذه الآية « 1 » . قوله : حَتَّى يَمِيزَ حتى - هنا - قيل : هي الغائية المجرّدة ، بمعنى « إلى » والفعل بعدها منصوب بإضمار « أن » وقد تقدم تحقيقه في « البقرة » . فإن قيل الغاية - هنا - مشكلة - على ظاهر اللفظ - لأنه يصير المعنى : أنه تعالى لا يترك المؤمنين على ما أنتم عليه إلى هذه الغاية - وهي التمييز بين الخبيث والطّيّب - ومفهومه أنه إذا وجدت الغاية ترك المؤمنين على ما أنتم عليه . هذا ظاهر ما قالوه من كونها للغاية ، وليس المعنى على ذلك قطعا ، ويصير هذا نظير قولك : لا أكلّم زيدا حتى يقدم عمرو ، فالكلام منتف إلى قدوم عمرو . فالجواب عنه : أن « حتّى » غاية لما يفهم من معنى هذا الكلام ، ومعناه : أنه - تعالى - يخلص ما بينكم بالابتلاء والامتحان إلى أن يميز الخبيث من الطيب . وقرأ حمزة [ والكسائي ] « 2 » - هنا وفي الأنفال - « يميّز » - بالتشديد - والباقون بالتخفيف ، وعن ابن كثير - أيضا - « يميز » من « أماز » فهذه ثلاث لغات ، يقال : مازه وميّزه وأمازه . والتشديد والهمزة ليسا للنقل ؛ لأنّ الفعل - قبلهما - متعد ، وإنما « فعّل » - بالتشديد - و « أفعل » بمعنى : المجرد . وهل « ماز » و « ميّز » بمعنى واحد ، أو بمعنيين مختلفين ؟ قولان . ثم القائلون بالفرق اختلفوا ، فقال بعضهم : لا يقال : ماز ، إلا في كثير ، فأما واحد من واحد فميّزت ، ولذلك قال أبو معاذ : يقال ميزّت بين الشيئين تمييزا ، ومزت بين الأشياء ميزا . وقال بعضهم عكس هذا - مزت بين الشيئين ميزا ، وميّزت بين الأشياء تمييزا - وهذا هو القياس ، فإنّ التضعيف يؤذن بالتكثير ، وهو لائق بالمتعددات ، وكذلك إذا جعلت الواحد شيئين قلت : فرقت - بالتخفيف - ومنه : فرق الشعر ، وإن جعلته أشياء ، قلت : فرّقتها تفريقا . ورجّح بعضهم « ميّز » - بالتشديد - بأنه أكثر استعمالا ، ولذلك لم يستعملوا المصدر إلا منه ، قالوا : التمييز ، ولم يقولوا : الميز - يعني لم يقولوه سماعا ، وإلا فهو جائز قياسا .

--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) سقط في ب .